الصوم
.. دورة تدريبية في الأخلاق
يحرص المسؤولون في الدول المتحضرة عادة إلى عقد دورات تدريبية
لجماعات كثيرة من المواطنين الذين يعنون بالقيام بمتطلبات المجتمع الذي يعيشون فيه
من زراعة وصناعة وتربية وتعليم وحفظ أمن وغيرها ، حيث أن التنبه لعقد مثل هذه
الدورات من معطيات الحضارة الحديثة والشريعة الإسلامية جاءت بمنهج كامل للحياة ،
وبنظام تام متكامل لكل متطلباتها ، وأوضحت معالم هذا الطريق وذلك الاتجاه قبل مئات
السنين مما يزعمون ، فهذا شهر رمضان الذي فرض الله صيامه على المسلين المكلفين في كل عام لمصلحة
الصائمين أنفسهم ، لأن الله هو الغني المطلق عن أي شيء وعن كل شيء سبحانه وتعالى ،
وما شهر رمضان في حقيقته إلا دورة تدريبية للمؤمن ، لكن ليست على فن التدريس مثلاً
لأنه ليس خاصاً بالمدرسين ، ولا على فنون القتال أيضاً لأنه ليس خاصا بالجنود وأفراد
القوات المسلحة ، ولا على أساليب التجارة والصناعة
والزراعة كذلك ، لأنه ليس خاصاً بالتجار والصناع والزراع.
إنه دورة
تدريبية على متطلبات الحياة الضرورية عموماً ، وهو دورة تدريبية للإنسان بموجب
صفته الإنسانية على ما تتطلبه وتحتاجه هذه الصنعة من أعمال وعلوم .. ومتطلبات
كثيرة.
لقد أقام
الله هذه الدورة ونظم لها من البرامج ما يجعلها تستوفي كل حاجات الإنسان في الحياة
لا تنقص فيها واحدة ، وبأيسر الطرق وأقلها تكلفة ما جعلها مفتوحة أمام جميع الناس غنيهم وفقيرهم ، نسيبهم وحقيرة على
حد سواء.
ففي الصوم
تدريب على الصبر .. وما أحوج الإنسان إلى الصبر في هذه الحياة ، من صبر على تأمين
الرزق ، وصبر على تحمل الأذى وتحمل الصدمات الحياتية ومصائبها دون أن تخور الهمة
أو تثني العزيمة .. وأي شيء غير الصوم يصلح مدرباً على الصبر حيث مشاق الحياة وهمومها ومعضلاتها ، فإن صبر الإنسان على ترك
طعامه وشرابه طيلة يوم وقد يمتد أحياناً إلى خمس عشرة ساعة والطعام بي يديه ،
ونظره يقع عليه .. عندها يكون على صبر أذى الجار عند قدرته عليه أصبر ، وعلى تحمل
أذى الصديق أكثر صبراً لأن شهوة البطن من أشد الشهوات الإنسانية قوة وعناداً إذا
ما استثيرت أو هيجت.
وفي الصوم
تدريب على اتباع النظام .. حيث أن المسلم يقوم به في
لحظة معينة لا يجوز تأخيره عنها كما أن عليه أن يفطر في لحظة معينة أيضاً ، ولا
يجوز تأخيره دفعاً للمشقة الزائدة عن نفسه على وجه الأفضلية ، فما أحوجنا إلى هذا
النظام في حياتنا تنظيماً لمواعيدنا وفي دراستنا ورياضة جسمنا ، فحين يصوم المؤمن
حقاً ويفهم معنى هذا الصوم .. عندها يكون على الالتزام بالمواعيد والصدق أقدر دون
شك.
وفي الصوم أيضاً تهذيب للضمير وتربية
للعواطف الإنسانية النبيلة وترويض لمكارم الأخلاق وتصفية للنفوس ، وتجميد للميول ،
فبالصوم تضعف الحيوانية في الإنسان وتتألق الإنسانية حيث يرجع - في هذا الشهر
الكريم – من شذّوا عن الطريق السوي إلى بارئهم ، ويتوبون توبة نابعة من ضمير ربّاه
الصوم ، وإحساس أرهفه الجوع في سبيل الله ، فكم من مرتكب للصغيرة والكبيرة تركها
في رمضان بفضل تربية الصوم ومراميه.
وفي الصوم
دروس في التربية الصحية لا يستطيع غيره تأديتها ، وقد عرف الطب الحديث الصوم
علاجاً ووقاية لكثير من الأمراض المستعصية ، بل قرر كثير من الأطباء أن الصوم هو
الدواء الوحيد لبعض الأمراض المزمنة أيضا ... وهكذا نجد أن الصوم فعلاً دورة
تدريبية في الأخلاق يتخرج منها الصائمون بتفوق ونجاح.
محمد
مصطفى نصيف
كاتب
إسلامي. الأردن